شؤون سياسية

المفكر السياسي حسن النجار لبرنامج السياسة في أسبوع: زيارة شي جين بينج لمصر تعزز التوازن والشراكة بين البلدين وتصتع الفارق في زيادة الاستثمارات والتبادل التجاري

تقرير – هند مختار العربي

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، والتنافس المتصاعد بين القوى الكبرى سياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر أهمية استثنائية، خاصة أنها تأتي بعد نحو عشر سنوات من آخر زيارة له إلى القاهرة.

وحول دلالات الزيارة ومكاسبها لمصر والصين، ومستقبل العلاقات بين القاهرة وبكين، وهل يمكن أن يؤثر التقارب المصري الصيني على العلاقات مع واشنطن وأوروبا،

المفكر السياسي حسن النجار لبرنامج السياسة في أسبوع زيارة شي جين بينج لمصر تعزز التوازن والشراكة
المفكر السياسي حسن النجار لبرنامج السياسة في أسبوع زيارة شي جين بينج لمصر تعزز التوازن والشراكة

كان هذا الحوار مع الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار، رئيس تحرير جريدة الوطن اليوم، والمتخصص في الشؤون السياسية الدولية، خلال تصريحات لبرنامج «السياسة في أسبوع» الذي تقدمه الإعلامية سارة عزام عبر تليفزيون الوطن اليوم.

سارة عزام:
أستاذ حسن، بدايةً.. كيف تقرأون زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر؟ وهل نحن أمام زيارة بروتوكولية أم محطة استراتيجية جديدة في العلاقات بين القاهرة وبكين؟

حسن النجار:
أعتقد أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر يمكن وصفها بالفعل بأنها زيارة استثنائية، وليست مجرد زيارة بروتوكولية، لأنها تأتي في توقيت بالغ الحساسية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.

نحن أمام عالم يشهد تحولات كبيرة، وتنافسًا واضحًا بين القوى الكبرى في الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ السياسي والعسكري، ولذلك فإن زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة تحمل رسائل مهمة لمصر والصين في الوقت نفسه.

وأرى أن الزيارة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين في مجالات متعددة، سياسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا وتنمويًا، وتؤكد أن العلاقات المصرية الصينية أصبحت جزءًا مهمًا من معادلة التحرك الاستراتيجي المصري.

سارة عزام:
الزيارة جاءت بعد نحو عشر سنوات من الزيارة السابقة للرئيس شي جين بينج إلى مصر.. ماذا يعني هذا التوقيت؟

حسن النجار:
الفارق الزمني مهم جدًا، لأن العالم تغير بصورة كبيرة خلال السنوات العشر الماضية.

شهدنا جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، فضلًا عن التنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين القوى الكبرى.

وبالتالي فإن الصين عندما تعود إلى المنطقة، وتختار مصر تحديدًا كوجهة رئيسية، فهذا يحمل دلالة سياسية واقتصادية واستراتيجية واضحة، ويعكس رغبة بكين في تطوير رؤيتها وعلاقاتها مع المنطقة في ضوء المتغيرات الجديدة.

سارة عزام:
هل يمكن القول إن الصين لديها رؤية جديدة تجاه الشرق الأوسط، ومصر تحديدًا؟

حسن النجار:
بالتأكيد، وأعتقد أن مصر تمثل عنصرًا محوريًا في أي رؤية صينية تجاه المنطقة.

الصين تنظر إلى مصر باعتبارها دولة ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية، فهي تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتمتلك قناة السويس، كما تمثل بوابة مهمة للأسواق العربية والأفريقية.

ومن هنا فإن العلاقة ليست مجرد علاقة تجارية بين دولتين، وإنما هناك مصالح استراتيجية متبادلة يمكن البناء عليها خلال السنوات المقبلة.

سارة عزام:
وهنا نصل إلى السؤال الأهم للمواطن المصري.. ما المكاسب التي يمكن أن تحققها مصر من هذه الزيارة؟

حسن النجار:
المكاسب متعددة ومهمة للغاية.

هناك مكاسب اقتصادية تتمثل في زيادة الاستثمارات والتبادل التجاري، وهناك مكاسب تتعلق بنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، بالإضافة إلى التعاون في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة والنقل والموانئ والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر.

وأنا أرى أن مصر يجب أن تستفيد من الخبرة الصينية في التصنيع والتكنولوجيا، وأن تنتقل العلاقة من مجرد الاستيراد إلى الإنتاج والتصنيع المشترك ونقل المعرفة والتكنولوجيا.

سارة عزام:
هل يمكن أن تكون المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نقطة ارتكاز أساسية في التعاون المصري الصيني؟

حسن النجار:
بلا شك.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل نموذجًا مهمًا للتكامل بين الموقع الجغرافي المصري والإمكانات الصناعية والاستثمارية الصينية.

مصر تستطيع أن تقدم للصين قاعدة إنتاج وتصدير إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، بينما تستفيد مصر من الاستثمارات والتكنولوجيا والخبرات الصينية.

وهذا يعني خلق فرص عمل، وزيادة الإنتاج، وتعميق التصنيع المحلي، وربط الاقتصاد المصري بسلاسل القيمة العالمية.

سارة عزام:
إذن نحن أمام علاقة تتجاوز التجارة والاستثمار؟

حسن النجار:
بالتأكيد، وهذه نقطة مهمة جدًا.

العلاقة المصرية الصينية يمكن أن تنتقل إلى مستوى أكثر تقدمًا، من التجارة والاستثمار إلى التكنولوجيا والابتكار والصناعات المستقبلية.

لدينا مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والطاقة النظيفة، والسيارات الكهربائية، والتكنولوجيا الرقمية، وهي قطاعات ستكون حاسمة في اقتصاد المستقبل.

ومن مصلحة مصر أن تنوع شركاءها في هذه المجالات، وألا تعتمد على طرف واحد للحصول على التكنولوجيا أو التمويل أو الاستثمار.

سارة عزام:
دعنا ننتقل إلى الجانب السياسي.. ماذا تمثل الصين بالنسبة لمصر سياسيًا؟

حسن النجار:
الصين قوة دولية كبرى، وعضو دائم في مجلس الأمن، وبالتالي فإن العلاقات معها تمنح مصر مساحة أوسع للتنسيق السياسي والدبلوماسي حول العديد من القضايا الدولية والإقليمية.

كما أن هناك نقاط اتفاق مهمة بين القاهرة وبكين، من بينها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ودعم التعددية الدولية، والبحث عن حلول سياسية للصراعات، ودعم التنمية.

والقضية الفلسطينية تمثل أيضًا مساحة مهمة للتنسيق بين البلدين، خاصة أن مصر تؤدي دورًا رئيسيًا في جهود وقف الحرب على غزة وإحلال السلام في المنطقة.

المفكر السياسي حسن النجار لبرنامج السياسة في أسبوع: زيارة شي جين بينج لمصر تعزز التوازن والشراكة
المفكر السياسي حسن النجار لبرنامج السياسة في أسبوع: زيارة شي جين بينج لمصر تعزز التوازن والشراكة

سارة عزام:
هل يمكن أن تلعب الصين دورًا أكبر في أزمات الشرق الأوسط؟

حسن النجار:
نعم، وهذا أحد الملفات التي أعتقد أنها ستكون حاضرة بقوة خلال المرحلة المقبلة.

الصين لديها علاقات مع أطراف متعددة في المنطقة، ومصر لديها أيضًا شبكة علاقات واسعة، وبالتالي فإن التنسيق بين القاهرة وبكين يمكن أن يدعم جهود التهدئة والسلام.

ومصر بحكم علاقاتها الإقليمية وموقعها السياسي تستطيع أن تكون جسرًا للحوار، وليس طرفًا في الاستقطاب.

سارة عزام:
لكن البعض يرى أن التقارب المصري الصيني قد يعني ابتعاد القاهرة عن واشنطن.. كيف تردون على ذلك؟

حسن النجار:
أنا لا أعتقد ذلك على الإطلاق.

مصر لا تتعامل مع علاقاتها الدولية بمنطق «إما هذا أو ذاك».

القاهرة تنتهج في السنوات الأخيرة سياسة تقوم على التوازن والتنوع في العلاقات الدولية، وهذا يعني بناء شراكات قوية مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا وغيرها، وفقًا للمصالح الوطنية المصرية.

العلاقة مع الصين لا تعني قطع العلاقة مع واشنطن، والعلاقة مع واشنطن لا تمنع مصر من تطوير علاقاتها مع بكين.

سارة عزام:
إذن أنت ترى أن مصر تتحرك بعيدًا عن سياسة المحاور؟

حسن النجار:
هذا هو جوهر المسألة.

مصر تسعى إلى إدارة علاقاتها الدولية بعيدًا عن الوصاية أو التبعية السياسية، وبما يحافظ على قرارها الوطني المستقل.

وعندما تكون لديك علاقات متعددة مع القوى الكبرى، فإنك تستطيع أن تستفيد من المنافسة الدولية للحصول على أفضل فرص للاستثمار والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي والدعم السياسي.

المعادلة ببساطة هي: تنويع العلاقات لتحقيق أكبر قدر من المصالح المصرية.

سارة عزام:
وهل تعتقد أن الحضارة والتاريخ المشترك بين مصر والصين يمثلان عاملًا مهمًا في قوة العلاقات؟

حسن النجار:
بالتأكيد.

نحن نتحدث عن دولتين صاحبتَي حضارتين عريقتين، المصرية والصينية، وهناك احترام متبادل وتواصل تاريخي بين الشعبين.

والعلاقات بين الدول ذات الحضارات القديمة تحمل في كثير من الأحيان مفهومًا مختلفًا للعلاقات الدولية، يقوم على الاحترام والتعاون والتواصل، وليس فقط على القوة والنفوذ.

وهذا يمكن أن يكون أساسًا مهمًا لبناء شراكة طويلة الأمد بين القاهرة وبكين.

سارة عزام:
كيف تقرأون الاستقبال الرسمي الحافل للرئيس الصيني في مصر؟

حسن النجار:
الاستقبال يحمل رسالة سياسية واضحة، وهي أن مصر تنظر إلى الصين باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا.

كما يعكس عمق العلاقات والثقة المتبادلة بين البلدين، ويؤكد أن القاهرة حريصة على تطوير هذه الشراكة إلى مستويات جديدة.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد ترجمة سياسية لهذا التقارب إلى مشروعات اقتصادية وصناعية وتكنولوجية ملموسة يستفيد منها المواطن المصري.

سارة عزام:
لو أردنا تلخيص أهم ما يمكن أن تحققه مصر من الشراكة مع الصين، ماذا تقول؟

حسن النجار:
أضعها في عدة نقاط رئيسية: زيادة الاستثمارات، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وفتح أسواق جديدة، وتوفير فرص العمل، ودعم مشروعات الطاقة الجديدة، والتوسع في الصناعات التكنولوجية.

لكن الأهم من ذلك كله هو أن تتحول العلاقة من علاقة تجارية تقليدية إلى شراكة إنتاج وتصنيع وتكنولوجيا.

سارة عزام:
وفي المقابل.. ماذا تريد الصين من مصر؟

حسن النجار:
الصين تريد شريكًا مستقرًا وفاعلًا في منطقة ذات أهمية استراتيجية كبرى.

مصر بالنسبة للصين بوابة إلى أفريقيا والعالم العربي، وموقعها على قناة السويس يجعلها شريكًا بالغ الأهمية في مبادرة الحزام والطريق.

كما أن السوق المصرية الكبيرة، والبنية التحتية التي شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، تمثل فرصًا مهمة أمام الشركات الصينية.

إذن المصالح متبادلة، وهذه هي نقطة القوة الأساسية في العلاقات بين البلدين.

سارة عزام:
في النهاية أستاذ حسن.. هل يمكن القول إننا أمام بداية مرحلة جديدة في العلاقات المصرية الصينية؟

حسن النجار:
أعتقد ذلك.

زيارة الرئيس شي جين بينج إلى مصر يجب أن ننظر إليها باعتبارها فرصة لإطلاق مرحلة جديدة من الشراكة، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ومصر أمام فرصة مهمة للاستفادة من هذه الشراكة، لكن المطلوب هو أن نحسن إدارة الفرص، وأن نركز على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وزيادة الإنتاج والصادرات.

والرسالة الأهم في رأيي هي أن مصر لا تبحث عن بديل لقوة دولية بأخرى، وإنما تبحث عن علاقات متوازنة ومتنوعة تحمي مصالحها الوطنية وتدعم استقلال قرارها.

وهذا هو معنى الابتعاد عن «الوصاية».. أن تكون علاقاتك الدولية قائمة على الندية والمصلحة المشتركة، وأن تمتلك القدرة على التواصل مع الجميع دون أن تكون تابعًا لأحد.

المفكر السياسي حسن النجار لبرنامج السياسة في أسبوع زيارة شي جين بينج لمصر تعزز التوازن والشراكة
المفكر السياسي حسن النجار لبرنامج السياسة في أسبوع زيارة شي جين بينج لمصر تعزز التوازن والشراكة

برنامج «السياسة في أسبوع» برنامج حواري سياسي يسلّط الضوء على أبرز القضايا والأحداث السياسية الإقليمية والدولية، ويقدم قراءة وتحليلًا متوازنًا لتطورات المشهد السياسي.

تقدمه الإعلامية سارة عزام عبر تليفزيون الوطن اليوم، ويستضيف نخبة من السياسيين والمفكرين والخبراء لمناقشة الملفات الأكثر تأثيرًا وفهم أبعادها وانعكاساتها على مصر والمنطقة والعالم.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى